عبد الفتاح عبد المقصود

12

في نور محمد فاطمه الزهراء

في سنوات الدعوة الأولى رغم كلّ الظروف التي طرأت عليهم آنذاك وحساسيتها ، وبدلًا من ذلك فضّلوا التعايش والإخاء على التباغض والعداء ، برغم انتماءاتهم القبلية وتعدّد القبائل ، وما كان بينها من عداوات ضارية ، وثارات متقابلة ، وظلّوا مع بعضهم البعض لمواجهة التحدّيات الخطرة التي كان يبرزها أعداؤهم في الداخل والخارج من حدود الجزيرة العربية ، ثم التحدّيات الحضارية والثقافية التي استهدفت الفكر والثراث الإسلامي ، والتي ظهرت بعد أن تخطّى المسلمون حدود الجزيرة باتجاه أوروبا وأفريقيا وآسيا الوسطى . لقد ظلّ المسلمون على ثقة بدينهم وأنفسهم ، يستلهمون قرآنهم وأحاديث نبيّهم الأكرم صلى الله عليه وآله في مواجهة المواقف المستجدّة ، والتعامل مع الآخرين ، ضمن نصوص واضحة ظاهرة ، ولم يتكلّفوا تأويلها ، ولا استجداء تفسيرها من غيرهم . وإلى هذا المعنى يشير الأستاذ العقّاد وهو يصف موقف المسلمين تجاه غيرهم من الحضارات الأخرى ، يقول في كتابه « التفكير فريضة إسلامية » : « خاضوا غمار الأفكار الأجنبية بين يونانية وهندية وفارسية ، وعرضوا لكلّ مشكلة من مشاكل العقل والإيمان ، وتكلّموا عن وجود اللَّه ووجود العالم ووجود النفس ، وخرجوا من سبحاتهم الطويلة في هذه المعالم والمجاهل فلاسفة مسلمين أيضاً ، دون أن يعنتوا أذهانهم في التخريج والتأويل » . فإذا لم يكن المسلمون يخشون تفاعلهم مع « الآخرين » ، ملتقطين كلّ ما هو إيجابي ومفيد من علاقاتهم معهم ، فحريّ بهم أن لايخشوا تفاعلهم مع « بعضهم » ، وأن ينطلقوا بثقة أكبر في علاقتهم فيما بينهم ، مستوعبين كلّ ما هو مثمر ومفيد منها ، بل وأن يزيدوا من تماسكهم في ظلّ تكالب أعدائهم على أُمتهم الخيّرة . وكم المفارقة هنا مثيرة للدهشة : أن يكون المسلمون « تقريبيّين » في سنوات دعوتهم الأولى وهم في ذروة قوتهم وسطوتهم ، وأوج انتصاراتهم وتقدّمهم ، بينما